جعفر آل ياسين
8
الفارابي في حدوده ورسومه
عند استكشافه لتلك الحقائق الخفيّة في ثنايا عقله وبواطن شعوره ، مبتدئا من البسيط إلى المركّب ، ومن السهل إلى المعقّد ، سالكا طريقين في منهجه هذا نحو استخراج المعاني الحقّة : أولهما ( التهكم ) - وهو السؤال مع تصنّع الجهل ؛ كي يمهد إلى ما هو صحيح ، دافعا جانبا الخطأ والضلال بتدرج منطقي يصل إلى المرحلة الثانية ؛ وهي ( التوليد ) - حيث يعمل على استخراج ( الحدّ ) أو المعنى السليم من نفس صاحبه ؛ فيصوغ عندئذ الدلالة التي يريد والمفهوم الذي يقصد بتكامل وتكافل ، تامّين مع المنهج الذي أشرت . فالحقائق إذن ، في رأي سقراط ، من الأمور التي يستكشفها العقل ويحاول أن يعبّر عنها ب ( الحدّ ) ، حيث يبدأ من الجزئي مرتفعا إلى الكلّي ؛ ومن الأفراد إلى الأنواع ، في نظرة استقرائية متتابعة . . ومن هنا وصف ارسطوطاليس حكيم أثينا بأنّه : « أوّل من طلب الحدّ الكلّي طلبا مطّردا ، وتوسل إليه بالاستقراء ؛ وإنّما يقوم العلم على هاتين الدعامتين : يكتسب الحدّ بالاستقراء ؛ ويركّب القياس بالحدّ . فالفضل راجع إليه في هذين الأمرين » « 2 » . فهو - في ضوء هذه النظرة - رائد الحدود والماهيات حقّا ، بل هو ، كما ينعته الكثيرون ، موجد فلسفة المعاني التي لعبت دورها الواسع في نظرية التعريف منذ العصر اليوناني وحتى مرحلتنا المعاصرة . فكأنّ هذه المعاني لا تستكشف في الإنسان إلّا بطريق الحوار أو ( الجدل ) - لذا مال سقراط إلى أنّ العلم لا يعلّم ولا يدوّن في الكتب ؛ ولكن يستخرج من باطن النفس بفرضيات مسلّمة واضحة يحدّد إزاءها المعنى المطلوب ؛ ومن ثمّة نرتقي من تصوّر إلى تصوّر حتى نصل إلى تصوّرات حقيقية ، أو بالأحرى نصل إلى الدلالة الكلّية لهذه الأشياء التي نتفحصها . .
--> ( 2 ) انظر : Orist . Met . 13 . 4 . 1078 b 16 - 30 . Orist . Met . 1 . 6 . 987 a 1 - 4 .